محمد ابو زهره
37
خاتم النبيين ( ص )
وهي عقوبات متتالية ، أرهقتهم الذلة ، حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت ، وضاقت عليهم أنفسهم ، حتى فروا من أماكنهم ، فجاءتهم الغمامة فرجوا أن يستظلوا بها ، أو أن يجدوا فيها الرحمة ، فكانت الصيحة العنيفة وكانت الرجفة التي أصابتهم . وقد قال في ذلك ابن كثير : جمع الله تعالى عليهم أنواعا من العقوبات وصنوفا من المثلات ، وأشكالا من البليات ، وذلك لما اتصفوا به من قبيح الصفات . سلط الله عليهم رجفة شديدة أسكنت الحركات ، وصيحة عنيفة أخمدت الأصوات ، وظلة أرسل منها شرر النار من سائر أرجائها والجهات . الكلمة الثانية أن أهل مدين امتازوا من بين عبدة الأوثان بأنهم جمعوا مع عبادة الشجرة فساد الأخلاق وسوء المعاملات بعضهم مع بعض ، كانوا يطففون في الكيل والميزان ، وكانوا قطاع طريق ، يقطعون السبيل ويخيفون المارة ، يأخذون الفائدة الزائدة ، ويدفعون الناقص ، فإن استدانوا نقصوا من الدين ، فكانوا بذلك أشد فسادا ، ولذلك كان نهى نبيهم لهم عن الفساد ، فقال لهم : ولا تعثوا في الأرض مفسدين ، فلا يفسد الجماعات إلا التعامل الفاسد ، وهو مبيد جمعها ، لقد كانوا قليلا ، فكثرهم الله ، ولكنهم أضعفوا نخوتهم ، وأماتوا عزتهم ، فانصرفوا إلى الفساد . ولقد كان أوضح ما دعاهم إليه شعيب عليه السلام هو الوفاء والمعاملة الطيبة ، والتعاون على البر والوفاء بالحقوق ، بدل التعاون على الإثم . وكان شعيب فصيح العبارة ، قوى البيان والتأثير ، حتى لقد روى في بعض الآثار أنه خطيب الأنبياء ، ومدين من بلاد العرب على أطراف الشام ، جاء في قصص الأنبياء لأبى الفداء في أرض مدين ما نصه : « كان أهل مدين قوما عربا يسكنون مدينتهم التي هي قريبة من أرض معان من أطراف الشام مما يلي ناحية الحجاز قريبا من بحيرة قوم لوط ، وكانوا بعدهم بمدة قريبة ، ومدين قبيلة عرفت بهم ، وهم من بنى مدين بن مديان » « 1 » . موسى كلف الرسالة في أرض العرب : 35 - لقد نشأ موسى بمصر حيث ولد بها ، وتربى في دار فرعون ، وترعرع في هذا ، وكان في رعاية الله ، لا في رعاية فرعون ، إذ كان يتوجس منه خيفة ، ولكن صنعه الله تعالى على عينه ، فحماه وأعطاه سبحانه وتعالى النبوة ، فكان كليم الله تعالى .
--> ( 1 ) قصص الأنبياء ص 275 ج 1